2026/01/29
نسخ!

الدکتور محمدعلي صنوبري مدير مركز الروية الجديدة للدراسات و الإعلام ؛

«حرب بلا رصاص: لماذا تُعدّ إستراتيجية ترامب القائمة على الضغط النفسي ضد إيران محكومة بالفشل»

«حرب بلا رصاص: لماذا تُعدّ إستراتيجية ترامب القائمة على الضغط النفسي ضد إيران محكومة بالفشل»

ما نشهده اليوم في سلوك دونالد ترامب تجاه الجمهورية الإسلامية الإيرانية لا يُمثّل إستراتيجية جديدة في العلاقات الدولية، بل هو إعادة إنتاج لنموذج تقليدي استُهلك تاريخياً وأثبت فشله مراراً.

يعتمد ترامب على بثّ الخوف، وخلق حالة من عدم اليقين، وإدارة حرب معرفية مدعومة بالضغط الاقتصادي ومحاولات تحريك الاضطرابات الداخلية، أملاً في تحقيق نصر سياسي من دون خوض حرب عسكرية مباشرة. غير أن هذا النهج يعكس تعويضاً عن العجز الاستراتيجي عبر الاستعراض الإعلامي، لا عبر أدوات القوة الحقيقية.
ينتمي ترامب إلى عصر «السياسة الاستعراضية»، حيث تحلّ العناوين الصاخبة محلّ الدبلوماسية، وتُستبدل الاستراتيجيات العميقة بردود فعل آنية. وهو يدرك جيداً أن أي مواجهة عسكرية مباشرة مع إيران ستفرض كلفة تتجاوز قدرة الولايات المتحدة وحلفائها على تحمّلها، ولذلك لجأ إلى ما يمكن تسميته «حرباً بلا رصاص».
لكن هذا النوع من الحروب لا ينجح إلا ضد مجتمعات هشّة تفتقر إلى الذاكرة التاريخية والتماسك الاجتماعي. أما إيران، فهي حالة مغايرة تماماً. فالعقوبات الاقتصادية التي كان يُراد منها إضعاف المجتمع الإيراني، أسهمت عملياً في تعزيز التماسك الداخلي، وكشفت في الوقت ذاته عن أزمات بنيوية لدى القوى التي فرضتها.

إيران ليست دولة حديثة النشأة يمكن تفكيكها بالضغط؛ إنها حضارة حيّة، واجهت عبر تاريخها الغزوات والحصار والحروب، وأعادت في كل مرة إنتاج ذاتها بمرونة لافتة. مفهوم «الصمود» في الحالة الإيرانية ليس خطاباً سياسياً، بل تجربة اجتماعية متجذّرة.

أما الرهان على الفوضى وتحريك مجموعات تخريبية، فقد أثبت فشله في أكثر من ساحة إقليمية ودولية، حيث أدّى إلى انهيارات أمنية وإنسانية لم تُنتج استقراراً ولا مكاسب دائمة لمن خطّط لها.
إن الاعتقاد بإمكانية إخضاع إيران عبر هذه الأدوات يعكس وهماً استراتيجياً أكثر مما يعكس قراءة واقعية للمجتمع والدولة.
تشبه رؤية ترامب للولايات المتحدة أسطورة السفينة التي قيل إنها لا تغرق. لكن التاريخ يُظهر أن الغرور الاستراتيجي غالباً ما يكون مقدّمة الانحدار. فالقوة التي لا تُدار بعقلانية تتحوّل إلى عبء على أصحابها.
في هذا السياق، لا تمثّل إيران «عقبة» مؤقتة، بل حقيقة بنيوية في النظام الدولي، لا يمكن تجاوزها بالتهديد أو الحرب النفسية.
قد تتغيّر الإدارات في واشنطن، لكن إيران، بوصفها فاعلاً حضارياً، باقية. وفي هذه الحرب بلا رصاص، لن تكون الخسارة من نصيبها. فالتاريخ، على عكس العناوين السريعة، لا ينسى… ولا يخطئ في أحكامه.

الدکتور محمدعلي صنوبري
مدير مركز الروية الجديدة للدراسات و الإعلام
طهران
29 يناير 2026

تعليقك

الصفحات الاجتماعية اختيار المحرر آخر الأخبار
كاريكاتير صورة اليوم