2026/02/22
نسخ!

تقرير خاص؛

في تقرير صدر اليوم: تهديدات ترامب اللفظية.. رسالة متناقضة أم تحذير أمني؟

في تقرير صدر اليوم: تهديدات ترامب اللفظية.. رسالة متناقضة أم تحذير أمني؟

أشارت التحليلات إلى أن فرض المهلة الزمنية الدعائية، رغم فعاليته على المدى القصير في المصالح المحلية وإظهار القوة، إلا أنه على المستوى الاستراتيجي لا يسهم في إدارة الأزمات بقدر ما يكون بحد ذاته عامل خلق الأزمات.إن اجتماع هذه التهديدات مع منطق الردع الإيراني النشط قد يؤدي إلى تداعيات يصعب التحكم بها وتكون غير متوقعة.

بحسب تقرير “الرؤية الجديدة”، إن التصريحات الأخيرة الرئيس الأمريكي ،دونالد ترامب، بشأن تحديد مهلة زمنية “من ۱۰ إلى ۱۵ يوماً” لتحديد مصير الاتفاق مع إيران، هي للوهلة الأولى، تكرار للنمط المألوف من التهديد اللفظي والضغط النفسي؛ النمط الذي طالما تم استخدامه من قبل الولايات المتحدة لسنوات في إطار الاستراتيجية المركبة “الضغط والتفاوض”.

غير أن اختزال هذه التصريحات إلى مجرد تكتيك دعائي أو أداة للمساومة الدبلوماسية، قد يشكل خطأً تحليلياً خطيراً. فمثل هذه المهلة المحددة، وفي ظل الظروف الميدانية والاستراتيجية الراهنة، هي أقرب إلى أن تصبح أرضية خصبة لنشوء حسابات خاطئة، وبالتالي وقوع أحداث غير مرغوب فيها وغير متوقعة، بدلاً من أن تكون أداة للسيطرة على الأزمات.

يختلف المشهد الأمني في المنطقة خلال المرحلة الراهنة اختلافاً جوهرياً عن الفترات السابقة. فالتركيز غير المسبوق للقوات العسكرية الأمريكية في المنطقة، وارتفاع مستوى التوترات العلنية والخفية، واستمرار القنوات الدبلوماسية في الوقت ذاته، كلها عوامل أدت إلى خلق معادلة معقدة، حيث يمكن لأي رسالة خاطئة أو إشارة مبهمة أن تؤدي إلى تفاعلات متسلسلة. في هذا السياق، لا تقتصر التصريحات التهديدية، لا سيما عندما تكون مقرونة بجدول زمني محدد، على استغلالها الإعلامي فحسب، بل تتغلغل مباشرة في صلب الحسابات الأمنية للطرف المقابل.

وفي هذا السياق نفسه، لا يمكن إغفال التطورات التي شهدتها إيران على المستوى الاستراتيجي خلال الشهرين الماضيين. فصدور بيان مجلس الدفاع الأعلى للجمهورية الإسلامية الإيرانية، بصفته الهيئة العليا لرسم السياسات في المجال الدفاعي والعسكري، رغم أنه لم يذكر صراحة مصطلح “العمليات الاستباقية”، إلا أن لغته وافتراضاته وتوجهاته، قد اعتُبرت من قبل العديد من المحللين الاستراتيجيين داخل إيران وخارجها، بمثابة مؤشر على تغيیر في العقيدة العملياتية الإيرانية. وهذا التفسير تعزز، بل حظي بتأييد ضمني، لاحقاً من خلال بعض التصريحات الواضحة للمسؤولين السياسيين والعسكريين. وكانت الرسالة من هذه التطورات المتسلسلة واضحة: لن تبقى إيران في موقف رد الفعل إزاء التهديدات المباشرة أو غير المباشرة.

تجسّد تجربة أعمال الشغب في يناير/كانون الثاني وطريقة التعامل مع التهديدات الأمريكية مثالاً عملياً على آلية عمل مبدأ الردع النشط هذا. ففي تلك المرحلة، سعى ترامب من خلال نشر رسالة صريحة إلى استغلال حالة الاضطراب الداخلي في إيران؛ رسالة حثت المحتجين على البقاء في الشوارع واقتحام المراكز الحكومية، متوعداً إياهم بـ “المساعدة في الطريق”. إلا أنه بعد أن تمكنت قوات الأمن من بسط سيطرتها الكاملة على الوضع، ولم يحدث أي إجراء عملي من الجانب الأمريكي، خلص العديد من المراقبين إلى أن ترامب، وعلى الرغم من التكاليف السياسية والمعنوية، تراجع عن الدخول في المرحلة العملياتية.

كان التحليل السائد في ذلك الوقت يشير إلى أن إيران قد اتخذت تشكيلاً عملياتياً خاصاً،بأخذ الاعتبار للتهديدات العلنية والتركيز على عقيدتها الاستباقية، تشكيلاً يعرض أي عمل خارجي محتمل لخطر مواجهة رد فعل استباقي فوري لا يمكن السيطرة عليه. في مثل هذه الظروف، فضل صناع القرار الأمريكيون الامتناع عن تجاوز عتبة الأزمة؛ وهو القرار الذي أثبت أن التهديد اللفظي لا يؤدي حتماً إلى إجراء عملي صارم، ولا سيما عندما تكون تكاليفه لاتعد ولاتحصى.

والآن، فإن عودة ترامب إلى استخدام لغة التهديد والمواعيد المحددة زمنيا ،قد تخلق ظروفاً مشابهة بل وأكثر تعقيداً. فتحديد إطار زمني محدد، ولا سيما في ظل وجود مؤشرات من الجانب الآخر على استعداد لرد استباقي، ينقل عملياً ثقل اتخاذ القرار من المستوى السياسي إلى المستوى الأمني.

وهذه هي النقطة التي تزداد فيها مخاطر الخطأ في الحسابات؛ حيث يمكن لسوء فهم واحد، أو رسالة غامضة، أو إجراء محدود، أن يتحول بسرعة إلى أزمة شاملة؛ أزمة قد لا تكون مرغوبة من قبل أي من الطرفين، ولكن السيطرة عليها لن تكون ممكنة أيضاً.
التصريحات الأخيرة لترامب بأنه “إما أن نتوصل إلى اتفاق ذي معنى أو ستحدث أشياء سيئة”، تحمل رسائل متناقضة أكثر من كونها أداة ضغط فعالة. فمن ناحية، يتم الترويج لإجراء محادثات إيجابية، ومن ناحية أخرى، يُطلق تهديد غامض بـ”أشياء سيئة”. هذه الازدواجية، ولا سيما في بيئة شديدة التوتر، قدتمثل أسوأ أنواع الإشارات الاستراتيجية؛ إشارة ليست ردعية ولا مطمئنة.

قد أثبتت التجارب السابقة أن فرض المهلة الزمنية الدعائية، رغم أنها قد تحقق غرضاً قصير المدى للمصالح الداخلية ولإظهار القوة أمام الكاميرات، إلا أنها على المستوى الاستراتيجي، تصبح أكثر استعداداً لخلق الأزمات بدلاً من أن تكون أداة لإدارتها.في بيئة يسود فيها منطق الردع النشط والرد السريع على الحسابات الأمنية، فإن اللعب بالوقت والتهديد قد يسفر عن عواقب لا يمكن توقعها ولا احتواؤها ببساطة.

تعليقك

الصفحات الاجتماعية اختيار المحرر آخر الأخبار
كاريكاتير صورة اليوم