2026/03/02
نسخ!

الدکتور محمدعلي صنوبري؛

إيران؛ أمة لا تموت بالاغتيال ولا تنهار بالضغوط

إيران؛ أمة لا تموت بالاغتيال ولا تنهار بالضغوط

على مدى العقود الأخيرة، كان أحد الأخطاء الاستراتيجية في التحليلات الغربية هو اختزال إيران في عدد من الشخصيات السياسية، والافتراض بأن الدولة تُدار بمنطق الفرد.

غير أن التجربة التاريخية أثبتت أن إيران، قبل أن تكون معتمدة على أشخاص، ترتكز على تيار وطني راسخ الجذور؛ تيار أعاد إنتاج نفسه في اللحظات المفصلية منذ ثورة 1979 وحتى اليوم. قد تستطيع الاغتيالات والعقوبات والضغوط أن تُقصي أفرادًا، لكنها لا تستطيع أن تُقصي أمة ذات ذاكرة تاريخية عميقة وهوية حضارية متماسكة. لقد أثبتت إيران أنها لا تنهار بإقصاء القادة، بل تزداد تماسكًا.

كما أن قدرة الشعب الإيراني ومؤسسات الدولة على الصمود كانت دائمًا موضع تقليل في التقدير. خلال رئاسة Donald Trump، تعزز الاعتقاد بأن سياسة “الضغط الأقصى” يمكن أن تُخضع إيران. غير أن الواقع التاريخي يروي قصة مختلفة. فقد صمدت إيران ثماني سنوات في مواجهة عدوان النظام البعثي العراقي، في حرب حظي فيها صدام بدعم متزامن من الشرق والغرب. واليوم، ليست إيران أضعف مما كانت عليه في ستينيات القرن الهجري الشمسي، بل هي أكثر قوة من حيث القدرات الدفاعية، والعمق الاستراتيجي، والخبرة المؤسسية. إن مجتمعًا خبر الحرب والعقوبات والاغتيالات تعلّم آليات البقاء والتقدم تحت الضغط.
في الأيام الأولى من أي أزمة أمنية، كان أحد رهانات غرف التفكير الأمريكية-الصهيونية هو تحفيز الاضطرابات الداخلية وتحويلها إلى انتفاضة شاملة. وقد افترضوا أن اغتيال القيادات العليا وإحداث صدمة نفسية سيدفع الناس إلى التمرد على النظام. غير أن ما حدث كان معاكسًا لهذه التوقعات؛ فقد نزل أنصار النظام إلى الساحة، بينما لم ينضم المعارضون إلى صفوف العدو. وعندما اتضح في اليومين الثاني والثالث أن سيناريو “الانهيار من الداخل” لم يتحقق، تحوّل التركيز إلى استهداف البنية التحتية المدنية، بما في ذلك المرافق الصحية، في خطوة عكست قبل كل شيء فشل الحسابات الأولية.
لقد واجهت إيران هذه التحديات عمليًا بمفردها. وعلى عكس بعض الفاعلين الإقليميين الذين يسارعون في الأيام الأولى للأزمات إلى طلب الدعم من تحالفات مثل NATO، اعتمدت إيران أساسًا على قدراتها الداخلية. إن الاتكاء على الصناعات الدفاعية المحلية والقاعدة الاجتماعية الداعمة يشكل عنصر قوة حاسمًا في لحظات الاختبار.
وأخيرًا، فإن مقارنة الجمهورية الإسلامية بالنظام العائلي البهلوي مقارنة غير دقيقة. فالنظام السابق كان قائمًا على شخصنة السلطة والاعتماد على الدعم الخارجي، في حين أن الجمهورية الإسلامية تستند إلى شبكة مؤسسات متعددة المستويات، قادرة على إعادة إنتاج نفسها وتعويض أي فراغ قيادي بسرعة. وقد أظهرت الأزمات والحروب الأخيرة أن تبديل بعض المكونات لا يؤدي إلى شلل المنظومة بأكملها.
لقد أثبتت إيران اليوم أنها ليست مشروعًا عابرًا ولا نظامًا قائمًا على الفرد، بل تعبير عن تيار تاريخي وطني متجذر. وهذا التيار لا يمكن إنهاؤه بالعقوبات أو الاغتيالات أو الحروب النفسية. فالتاريخ الإيراني يشهد بأن هذا البلد، في أحلك الظروف، لا يكتفي بالبقاء، بل يعيد تعريف نفسه ويزداد قوة.

د. محمدعلي صنوبري
2 مارس 2026

تعليقك

الصفحات الاجتماعية اختيار المحرر آخر الأخبار
كاريكاتير صورة اليوم